فوزي آل سيف

52

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

لقد ألقي عليه هذا القول الثقيل والمسؤولية الكبرى، في حفظ صاحب الرسالة، خصوصاً وأن قريشاً التي لم تشهد تحديّاً كهذا كانت قد عقدت العزم الأكيد على تصفية وجود النبي واغتياله، وكما عقدت قريش عزمها على قتل الرسول صلى الله عليه وآله، فقد عقد أبو طالب ميثاقاً مع الله أن يدفع عن رسوله صلى الله عليه وآله، فادياً في ذلك نفسه وأولاده، قائلاً: كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرّع حولـه ونذهل عن أبنائنا والحلائل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا نعبأ بقول الأباطل ولذلك كان أكثر ما يخاف البيات (الاغتيال ليلاً) فكان إذا عرف مضجعه، يقيمه بعد أن يذهب من الليل هزيع، ويضجع ابنه عليّاً عليه السلام مكانه، فقال علي له ليلة: يا أبت إني مقتول!!. فقال له أبوه: اصبرن يابني فالصبر أحجى كل حي مصيره لشعـوب قد بذلناك والبلاء شديد لفداء الحبيب وابن الحبيب لفداء الأغر ذي الحسب الثا قب والباع الكريم النجيب إن تصبك المنون فالنبل تبرى فمصيب منها وغير مصيب فأجابه علي عليه السلام: أتأمرني بالصبر في نصر أحمد والله ما قلت الذي قلت جازعاً ولكنني أحببت أن تر نصرتي وتعلم أني لم أزل لك طائعاً سأسعى لوجه الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعاً[104]. ولم يكن يتوقع أن يبقى ذلك خفياً على قريش، لذلك كان كل واحد منهم يفكر في ردّ الفعل المتوقع من أبي طالب لو وصل إلى الرسول صلى الله عليه وآله أذى وسوء، فها هو أبو طالب لا يفتأ يذكر نصرته للرسول صلى الله عليه وآله وذبّه عنه، ودعوة أبنائه للدفاع عنه وسائر الناس للإيمان به، وهو وإن لم يشأ إظهار إيمانه لما تقدم، إلاّ أنه لا يترك موقفاً يبين لقريش قوة محمد صلى الله عليه وآله به، إلاّ وأظهره، ولا أظهر من موقفه من زعماء قريش عندما تآمروا عليه قائلين: وما خير من أن نغتال محمداً.. فلما كان مساء تلك الليلة فُقِد رسول الله صلى الله عليه وآله وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه فجمع فتياناً من بني هاشم وبني عبد المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخل المسجد فليجلس إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظلية (يعني أبا جهل) فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحالة.

--> 104  الغدير 7/ 358.